محمد محمد أبو موسى
549
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
للمناسبة بينهما ، فهي كالمجاز من حيث استعمال اللفظ في غير ما وضع له ، وجدته يقرر في موضع آخر أن الكلمات في الكناية مستعملة في معانيها الحقيقية . ومما هو كالصريح في استعمال ألفاظ الكناية في معانيها الحقيقية لينتقل منه الذهن إلى غيره ، قوله في قوله تعالى : « إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ » « 304 » يقول : « وأما القراءة بالجمع ففيها وجهان ، أحدهما : أن يراد المسجد الحرام . . . والثاني : أن يراد جنس المساجد ، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك ألا يعمروا المسجد الحرام الذي هو صدر الجنس ومقدمته ، وهو آكد ، لأن طريقته طريقة الكناية كما لو قلت : فلان لا يقرأ كتب اللّه ، كنت أنفى لقراءته القرآن من تصريحك بذلك » « 305 » ، وهذا النص كما قلت كالصريح في أن الكناية مستعملة في معانيها الحقيقية ، وأن المعنى الكنائي يفهم منه بطريق اللزوم ، فإذا كان الاستئناس هناك وضع موضع الاذن فالمساجد هنا لم توضع موضع المسجد الحرام ، وانما استعملت في جنس المساجد كما هي دلالة الجمع ، وفهم المعنى الكنائي بطريق اللزوم . وقد أشار الزمخشري إلى الكناية عن النسبة وبين أنها أبلغ من الدلالة الصريحة . يقول في قوله تعالى : « أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا » « 306 » : « جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله ، وفيه مبالغة ليست في قولك : أولئك شر وأضل ، لدخوله في باب الكناية التي هي أخت المجاز » « 307 » ويقول في قوله تعالى : « أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ » « 308 » :
--> ( 304 ) التوبة : 18 ( 305 ) الكشاف ج 2 ص 198 ( 306 ) الفرقان : 34 ( 307 ) الكشاف ج 1 ص 508 ( 308 ) الزمر : 56